الجمعة، 29 سبتمبر 2017

الجزء الرابع



- 15 -

قالت صوفيا:



- غرفتكَ جاهزة!



وقفت جنبي تنظر من النافذة إلى الحديقة التي ظهرت كئيبة و جرداء في هذا الوقت، بالأشجار نصف العارية التي كانت تتمايل مع الريح. قالت صوفيا:



- تبدو مُقفرة!



و بينما كنا ننظر هناك إذ خرج من خلال سياج الحديقة شخصٌ يتبعه آخر. كان الاثنان يبدوان سبحين في الضوء الخافت. و كانت بريندا ليونايدز هي الشخص الأول.



كانت بريندا تتلفع بمعطف رمادي صوفيّ، و كانت تتحرك خلسة كالقطة، فقط انسلت تحت ستر الشفق برشاقة غريبة. و رأيت وجهها عندما مرت أمام النافذة، كانت شبه مبتسمة تلك الابتسامة الخادعة التي لاحظتها في الطابق العلوي. قم، بعد ذلك بضع دقائق، أطل لورانس براون نحيفاً مذعوراً يتسلل خلال الشفق أيضاً.



لم يكونا مثل اثنين يتمشيان أو شخصين خرجا للتنزه معاً، كان هناك شيء مريب و غامض في حركتهما. هل كان الغصن المقصوف قد انقصف تحت قدم بريندا أو لورانس؟ و بربط منطقي للأفكار قلت:



- أين جوزفين؟





- ربما في قاعة الدرس مع يوستيس...



و قطبت جبينها و قالت:



- إني قلقة على يوستيس يا تشارلز!



- لماذا؟



- إنه غريب الأطوار متقلب المزاج، و قد تغيرت حاله منذ ذلك الشلل الفاجع، لا أستطيع أن أعرف تماماً ماذا يدور في ذهنه؟ يبدو أحياناً أنه يكرهنا جميعاً.



- سيكبر و تتغير حاله... إنها مجرد مرحلة عابرة.



- أظن ذلك لكنني قلقة جداً يا تشارلز.



- لماذا يا حبيبتي؟



- لأن أمي و أبي لا يقلقان أبداً، إنهما ليسا كأس أم و أب آخرين.



- ربما كان هذا أفضل؛ لأن أكثر الأطفال يعانون من تدخّل الوالدين.



- أجل، أنا لم أفكر في هذا حتى رجعتُ من الخارج، لكنهما في الحقيقة زوجان غريبان: والدي يعيش في عالم تاريخي غامض مجهول، و والدتي تعيش وقتاً ممتعاً في خلق المشاهد، و ما تلك السخافة التي شاهدتَها هذا المساء من غير حاجة و لا ضرورة إلا من اختلاق والدتي. إنما أرادت أن تمثل مشهداً لاحتماعٍ عائلي سري؛ إنها تشعر بالملل هنا فتحاول أن تصنع تمثيلية!



في تلك اللحظة تخيلت ماجدا و هي تسمم حماها العجوز دون اهتمام لكي تشاهد تمثيلية في جريمة قتل تقوم هي بلعب الدور الرئيسي فيها: كانت فكرة مسلية! صرفتُ التفكير عنها لكنها لبثت تخيفني بعض الشيء.



و قالت صوفيا:



- كان ينبغي أن تلقى أمي العناية طوال الوقت، فلا أحد أبداً يعرف ماذا تنوي أن تفعل؟



قلت لها بقوة:



- انسي أمر عائلتك يا صوفيا.



- سأكون مسرورة لو فعلتُ ذلك، لكن هذا صعب نوعاً ما في الوقت الحالي. لقد كنت سعيدة في القاهرة عندما نسيتهم جميعاً.



تذكرت كيف أن صوفيا لم تذكر أبداً شيئاً عن بيتها و أهلها و هي هناك و سألتها:



- هل كان هذا هو السبب الذي جعلك لا تتحدثين عنهم؟ ألأنك كنت تريدين نسيانهم؟



- نعم. كنا نعيش جميعاً متعاونين، نحب بعضنا كثيراً. لم نكن كبعض العائلات التي يكره أفرادها بعضهم بعضاً كراهيتهم للسم. لا بد أن ذلك سيء جداً لكن الأسوأ أن تعيش في ظل مشاعر متضاربة و متشابكة.



ثم أضافت بعد سكوت قصير:



- أعتقد أن هذا ما عنيته عندما قلت أننا كنا جميعاً نعيش مع بعضنا في بيت صغير مائل. لم أكن أقصد بذلم أنه كان مائلاً بالمعنى الخادع للكلمة. أعتقد أن ما كنت أعنيه هو أننا لم نكن قادرين على أن نكبر مستقلين و نعتمد على أنفسنا بطريقة مستقلة كأننا كنا نعاني من التواء أو انحراف.



و رأيت إيديث دي هافيلاند تطحن بكعب حذائها بعض اللأعشاب الممتدة على الممر بينما كانت صوفيا تضيف قائلة:



- مثل اللبلاب!



و فجأة فتحت ماجدا الباب بعنف و دخلت و هي تصيح:



- حبيبيّ، ألا تنيران الأضواء؟ إن المكان مظلم.



ثم ضغطت الأزرار فأنارت مصابيح الحيطان و الطاولات، و أسدلنا نحن الثلاثة الستائر الوردية الثقيلة فأصبحنا في جو يوحي بالأزهار. صاحت ماجدا و هي تلقي بنفسها فوق الأريكة:



- يا له من مشهد! كم كان يوستيس غاضباً! لقد ساءه المشهد كثيراً. كم هم غرباء هؤلاء الأولاد! – تنهدتْ – إن روجر رجل محبوب. أنا أحبه عندما ينكش شعره و يبدأ بإلقاء أشيائه على الأرض! ألم يكن لطفاً من إيديث أنْ عرضتْ عليه نصيبها من التركة و قد كانت صادقة حقاً فلم يكن عرضها حركة ما؟ لكنه عرض أحمق، فلعلها قد جعلت فيليب يظن أن عليه أن يفعل مثلها هو الآخر. إن إيديث تفعل أي شيء من أجل العائلة. إن في حب العانس لأولد أختها شيئا محزنا. يوماً من الأيام سأمثل دور واحدة من الخلات العوانس المخلصات... إنهن فضوليات عنيدات و مخلصات.



قلتُ محاولاً أن أغير حديث ماجدا عن أدوارها:



- لابد أن وفاة أختها كانت قاسية عليها، أقصد إن كانت تكره العجوز ليونايدز كثيراً جداً...



قاطعتني ماجدا:



- تكرهه؟ من أحبرك بهذا؟... هراء. بل كانت تعشقه.



قالت صوفيا:



- أمي!



- لا تحاولي أن تعارضيني يا صوفيا. من الطبيعي أنك في مثل سنك تعتقيدن أن الحب يقع فقط بين شابين جميلين.



- لقد أخبَرتْني يا سيدتي أنها كانت تكرهه.



- ربما كانت تكرهه عندما جاءت هنا أول مرة؛ لقد كانت غاضبة من أختها أنها تزوجتْه فصار بينهما تنافر، لكنها كانت تعشقه بلا ريب. إنني – يا عزيزتي – أعلم ما أقول. أريستايدو لم يستطع بالطبع الزواج منها لأنها أخت زوجته الميتة، و أعتقد أنه لم يفكر بهذا الأمر أبداً، و لا هي فكّرت فيه حسب ظني. لقد كانت سعيدة برعاية الأطفال و الشجار معهم لكنها لم تكن سعيدة عندما تزوج بريندا، لم تحب ذلك أبداً.



قالت صوفا:



- و لا أنت أحبت ذلك و لا أبي.



- كرهنا ذلك جميعاً، و هذا أمر طبيعي، لكن إيديث كرهت زواجه أكثر منا كلنا، يا ليتك رأيتِها و هي تنظر إلى بريندا!



- أمي!



نظرت ماجدا إلى ابنتها نظرة تودد فيها شعور بالإثم، ثم أكملت حديثها دون ترابط:



- لقد قررتُ أن أرسل جوزفين إلى المدرسة.



- جوزفين؟ إلى المدرسة؟



- نعم، إلى سويسرا. سأبحث الأمر غداً. كنت أحسب أنمنا نستطيع أن نبعثها فوراً، فمن السيء أن تعيش في جو فظيع كهذا. لقد أصبحت كئيبة جداً بسببه. إنها بحاجة لمصاحبة الأطفال في مثل سنها... حياة مدرسية. كنت أفكر فيها كثيراً!



قالت صوفيا ببطء:



- لم يُرِدْ جدي لها أن تدخل في المدرسة، كان ضد هذه الفكرة!



- كان عزيزنا العجوز الجميل يحب أن نكون جميعاً حوله، و هذه أنانية الشيوخ غالباً، فالطفلة تحبّ أن تكون بين أطفال، كما أن في سويسرا رياضات الشتاء، و هي مكان صحي تماماً، و فيها هواء عليل و الطعام هناك أفضل بكثير من الطعام الذي عندنا!



- أليس سفرها إلى سويسرا صعباً مع القيود المفروضة على تحويل العملة هذا الأيام؟



- هذا هراء يا تشارلز. للنفاقات التعليمية استثناء خاص، أو يمكن تبادل نفقتها بنفقة طفلة سويسرية هنا، و لذلك طرق كثيرة. إن رودُلف أليستير في لوزان، و سوف أَبرق له غداً ليُهيّء كل شيء و نبعثها في نهاية هذا الأسبوع.



ضربت ماجدا وسادة وابتسمت لنا و قامت نحو الباب. وقفت لحظة و هي تنظر إلينا بطريقة ساحرة و قالت:



- الصغار أولاً. و فكرا يا حبيبيّ في الأزهار و في النرجس.



علّقت صوفيا باستنكار:



- و لكننا في تشرين الأول؟!



لكن ماجدا كانت قد ذهبت.



تنهدت صوفيا:



- أمي تُغيظ النفس بهذه الأفكار المفاجئة، و تبعث آلاف البرقيات، و تريد أن يتم كل شيء في لحظات! لـمَ هذه العجلة في إرسال جوزفين إلى سويسرا؟



- ربما يكون في فكرة المدرسة صلاحٌ لجوزفين و هي بين أترابها من الأطفال!



- جدي لم يكن يعتقد ذاك.



شعرتُ بعض الغيظ:



- عزيزتي صوفيا، هل تصدقين حقاً أن رجلاً عجوزاً أربى على الثمانين هو أفضل من يحكم بمصلحة طفل؟



- كان أفضل حكم تقريباً لأي شخص في هذا البيت؟



- أكان خيراً من خالتك إيديث؟



- ربما لا. كانت خالتي تفضل المدرسة لجوزفين. جوزفين ذات خصالٍ صعبة أحياناً، لقد اكتسبت صفة التطفّل القبيحة، لكني أظن هذا بسبب قيامها بتمثيل أدوار رجال التحري!



تساءلن: تُرى، لماذا رأتْ ماجدا فجأة إرسال جوزفين؟ أهو اهتمام بصالح جوزفين؟ جوزفين كانت على علك تاكّ بكل ما جرى قبل الجريمة و لم يكن ذلك من شأنها حتماً، و ربما تفيدها الحياة الصحية في المدرسة مع وجود الكثير من الألعاب فائدة كبيرة. لكنني تعجبت فعلاً من المفاجأة و الإصرار في قرار ماجدا، فقد كانت سويسرا بلداً بعيداً!



*****









- 16 -

كان أبي العجوز قد أوصاني فقال:((دعهم يتحدثون إليك)).



و بينما كنت أحلق لحيتي في صباح اليوم التالي جعلتُ أفكر فيما وصلت إليه من هذا الأمر:



((تحدثت إيديث دي هافيلاند معي، و قد بحثت عني في الخارج عمداً لهذا الغرض. و تحدثت كيمنسي. و تحدثت معي ماجدا – بشكل أو بآخر – لأنني كنت واحداً من مَشَاهِدِ مسرحياتها. و من الطبيعي أن صوفيا قد تحدثت معي، و حتى ناني فعلت ذلك. فهل كنت مدركاً ما عملته منهم جميعاً؟ هل كانت كلمة أو جملة ذات دلالة ما؟ و هل رأيت دليلاً على ذلك الغرور الشاذ الذي ألحّ عليه والدي؟ كلا، لم أر مثل ذلك الدليل.



كان الرجل الوحيد الذي لم يرغب – دون شك – في الحديث معي بأية طريقة و في أي شأن هو فيليب، أفلمْ يكن شذوذاً؟ لا بد أنه عرف أنني أريد الزواج من ابنته و مع ذلك مضى في تصرفه كأنني لم أكن موجوداً على الإطلاق. أظنه كان مستاءاً من حضوري هناك، و اعتذرتْ لي إيديث عنه و قالت بأن هذه هي ((عادته))، أرادت أن تظهر أنها معنية بفيليب، لماذا؟



فكرا في والد صوفيا... رجل مكبوت حقاً، و كان في طفولته بائساً غيوراً، فلما صار رجلاً انطوى و اعتزل و غاب في عالم الكتب، في التاريخ الماضي. الفتور و التحفظ ربما يخفيان عنده إحساساً كبيراً بالسخط.



إن دافع كسب المال من موت والده لم يقنعني، لا أظن – لحظة واحدة – أن فيليب ليونايدز يقتل أباه لأجل المال، و لكن: هل كان يوجد دافع نفسي خفي؟ عاد فيليب ليعيش في بيت والده، ثم إثر الغارة الجوية جاء روجر فنشأ في نفس فيليب الحسد لأخيه أن يكون هو المحبوب عند والده. هل خطر في دهنه المعذّب أن الراحة و الخلاص هما في موت العجوز و أن هذا الموت سوف يُجرِم أخاه الأكبر؛ لأن روجر كان يعوزه المال؟ هل يكون فيليب قد اعتقد – و هل لا يعلم شيئاً عن آخر لقاء بين روجر و أبيه و عرض الأخير المساعدة على روجر – أن الدافع يبدو قوياً جداً يجعل روجر مشبوهاً من الفور؟ هل كان اضطراب فيليب النفسي يدفعه للجريمة؟



جرحت الشفرة ذقني!



ما الذي كنت أحاول عمله؟ أأكون أردت أن أوقع والد صوفيا في جريمة القتل؟ هل كان هذا شيئاً حسنا لأفعله؟ كلا، لم تردْ صوفيا أن آتي لأجل هذا... أم أن ذلك هو ما ارادته؟ لقد كان في مناشدة صوفيا كي أجيء شيء ما. لو بقي في رأسها بقية اشتباه في والدها أنه هو القاتل إذن فلن ترضى بالزواج مني أبداً، و لأنها صوفيا الجريئة الحصيفة فقد أرادت كشف الحقيقة لكيْلا يكون الغموض سوراً منيعاً بيننا.



ألم تكن صوفيا تقول لي:((أثبت أن هذا الشيء المفزع الذي أتخيله ليس صحيحاً، و إن كان صحيحاً فاكشف لي حقيقته حتى أعلم الأسوأ و أواجهه))؟



هل تعرف إيديث دي هافيلاند أن فيليب مذنب أم تشك فيه؟ ما الذي تعنيه ((بالحب الأعمى))؟



وَ... كليمنسي: ماذا كانت تعني بنظراتها الغريبة إليّ حين سألتها فيمن تشتبه فقالت:((أقول بأن لوراني و بريندا هنا المشبوهان و لا أزيد))؟



كانت العائلة كلها تشتاق أن يكون القاتل لورانس و بريندا، لكنهم – في الحقيقة – يكادون يعلمون يقيناً أن هذا غير صحيح.



و قد تكون العائلة كلها مخطئة، ربما يكون الفاعل هو بريندا و لورانس، أو ربما يكون لورانس من دون بريندا، و هذا حلّ أفضل كثيراً.



ضمّدت جرح ذقني و نزلت إلى الإفطار و أنا عازم أن أقابل لورانس براون في أسرع وقت.



لقد تبيّن لي و أنا أشرب فناجان القهوة الثاني أن البيت المائل قد أثّر فيّ أنا الآخر، فأنا أيضاً كنت أسعى وراء الحلّ ((المناسب)) أكثر من الحل ((الحقيقي)).



ذهبت بعد الإفطار عبر القاعة و صعدت الدرج حيث يعلّم لورانس يوستيس و جوزفين في قاعة الدرس.



ترددت و أنا عند مصطبة الدرج عند باب جناح بريندا... هل أقرع الجرس و أطرق الباب أم أدخل مباشرة؟ قررت أنا أتعامل مع البيت كبيت ليونايدز المتكامل و ليس كمسكن بريندا الخاص.



و فتحت البا و دخلت.



كان كل شيء هادئاً و لا أحد هناك. عن يساري كان باب قاعة الاستقبال الكبيرة مغلقاً، و عن يميني رأيتُ بابيْن مفتوحين يؤديان إلى غرفة نوم و حمام. عرفت أن هذا الحمام هو حمام غرفة أريستايد ليونايدز حيث يحفظ الإيسيرين و الأنسولين.



الشرطة كانوا قد أنجزوا عملهم هناك. فتحتُ الباب و دخلت فأدركت كم هو سهل أن يصعد أي أحدٍ في البيت أو من خارجه إلى هنا و يدخل الحمام و لا يراه أحد!



وقفت في الحمام أنظر حولي. كان مجهزاً تجهيزاً مترفاً برقائق الفلّين البراق و حوض عميق و أجهزة كهربائية مختلفة و طبق حارّ من تحته سخّان، و غلاّية و طنجرة كهرباية صغيرة، و محمصة كهربائية، و كلّ شيء قد يحتاج إليه عجوز!



و كان على الحائط خزانة بيضاء مزخرفة. فتحتها فرأيت فيها أجهزة طبية و كأسين للأدوية و غاسل عين و قطرة عين و قوارير مكتوباً عليها إرشادات. و رأيت أسبريناً و مسحوق البوريك و يوداً و ضمادات لاصقة و غيرها.



و على رفّ آخر كان مخزون الأنسولين المكدّس، و إبرتان للحقن و زجاجة مطهّر. و على رف ثالث زجاجة مكتوب عليها: ((أقراص.. حبة أو حبتان في الليل عند اللزوم)).



لا شك أن قطرة العين كانت على هذا الرف الثالث. كان كل شيء واضحاً منظماً يسهل على أيب واحد الوصول إليه إذا أراد الإعداد لجريمة قتل!



كنت أستطيع أن أفعل ما أشاء في الزجاجات ثم أخرج بهدوء و أنزل إلى الطابق السفلي مرة أخرى من غير أن يشعر بي أحد!



ما أصعب مهمة الشرطة!



لا أحد يستطيع أن يجد ما يبحث عنه إلا المجرم نفسه!



تافيرنر كان قد قال لي: ((ضايقْهم. اجعلهم في نشاط دائم. أوْحِ إليهم أننا على وشك كشف الحقيقة. أعلنْ ما نفعله بينهم فإن فعلنَا ذلك فإن مجرمنا سوف يملّ انزواءه و يحاول أن يكون أشد ذكاء، عندئذٍ نمسك به)).



و لكن المجرم لم يستجب حتى الآن بشيء لهذا العلاج.



خرجت من الحمام و ما زال المكان خالياً، و مشيت عبر الممر، و مررت بغرفة الطعام عن يساري و منام بريندا و حمامها عن يميني. كانت إحدى الخادمات تتحرّك في هذا الحمام، و كان باب غرفة الطعام مغلقاً. ثم من غرفة وراءها سمعتُ صوت إيديث تتصل مع بائع السمك بالهاتف.



كان هناك سلّم لولبي يؤدي إلى الطابق الأعلى، صعدته و أنا أعلم أن غرفة نوم إيديث و مجلسها و حمامين آخرين و غرفة نوم لورانس براون كلها هنا. ثم رأيت درجاً قصيراً ينزل إلى غرفة كبيرة مبنّية فوق جناح الخدم في آخر البيت، و كانت الغرفة هي قاعة التدريس.



وقفت بالباب. كنت أسمع صوت لورانس براون يعلو قليلاً من داخل القاعة. لقد وجدت عادة جوزفين – التطفل – مغرية، فاسندت دون خجل على حافة الباب و جعلتُ أتنصّت.



كان لورانسُ يلقي درساً في التاريخ في فترة حكومة المديرين الفرنسية (1795 – 1799). دهشت كثيراً و أنا أصغي. فقد اكتشفت أن لورانس براون مدرّس رائع!



و لماذا أدهشني ذلك كثيراً؟ لقد كان أريستايد ليونايدز دائماً يختار الرجال جيداً و لعل قدرة لورانس على إثارة حماس تلامذته و خيالهم جاءت بسبب مظهره الخارجي الذي يُشبه الفأر.



إن دراما ثيرميدور مرسوم الحرمان ضد الربِسْبيرِسْت و روعة بارّاس و براعة فوشي الملازم الشاب في مدفعية نابليون الذي عانى الحرمان. كل هذه كانت حقيقيّة و حيّة.



سكت لورانس فجأة و سأل يوستيس و جوزفين سؤالاً جعلهما يضعان نفسيهما في مكان شخصيته في الدراما فلم يحصل على إجابة جيدة من جوزفين التي كان صوتها كمن أصابه نزلة برد. أما يوستيس فظهر مختلفاً تماماً عن مزاجه النفسي المعتاد فقد أجاب بذكاء و عقل و فهم بارع للتاريخ الذي ورثه – بلا ريب – عن والده!



ثم سمعت صرير كراسيّ تدفع للوراء فرجعت و صعدت الدرج حتى كأني قد نزلت لتوي عندما انفتح الباب.



خرج يوستيس و جوزفين من قاعة الدرس. قلت:



- مرحباً.



اندهش يوستيس و سأل بأدب.



- هل تريد شيئاً؟



انسلت جوزفين من ورائي من غير اكتراث. و قلت برود:



- كنت أريد أن أرى قاعة الدرس.



- ألم ترها أمس؟ إنها مكان للأطفال فقط، و قد كانت حضانة و ما زال فيها كثير من لُعَب الأطفال.



فتح لي الباب فدخلت.



كان لورانس براون يقف عند الطاولة فلما رفع بصره احمر وجهه و همس شيئاً رداً على تحيتي و خرج مسرعاً. قال يوستيس:



- لقد أخفتَه. إنه يخاف بسرعة!



- هل تحبه يا يوستيس؟



ها... لا بأس به، إنه رجل ممتلئ رهبة!



- لكنه ليس مدرساً سيئاً.



- لا. إنه ذو أسلوب مشوق و هو واسع المعرفة. يجعلك ترى الأشياء من زاوية مختلفة!

لم أعرف قطُّ أن هنري الثامن كان يكتب الشعر إلى آن بولين، و كان شعراً جيداً.



تحدثنا قليلاً في أمور شتى مثل قصيدة ((البحّار القديم)). و الأهداف السياسية للحروب الصليبية، و حياة القرون الوسطى، و الحقيقة التي أدهشت يوستيس عن أوليفر كرومْويل الذي منع حفلات عيد الميلاد، فأدركت أن هناك عقلاً قادراً و باحثاً في أسلوب يوستيس رغم غروره و التواء نفسيته.



و في الحال بدأتُ أدرك سبب سخريته، فلم يكن مرضه محنة مخيفة فقط، بل جعلته فتىً محبطاً و سبّب له الانتكاس و هو في مطلع حياته. قال يخاطبني:



- كان يجب أن أدخل الصف الحادي عشر في الفصل القادم. لا أطيق أن أقعد في البيت و أدرس مع طفلة فاسدة مثل جوزفين. إنها في الثانية عشرة من عمرها!



- أجل، لكنك لا تأخذ نفس الدروس، أليس كذلك؟



- كلا بالطبع. إنها لا تدرس الرياضيات المعاصرة و لا اللغة اللاتينية، لكنك لا تحب أن تتقاسم معلّماً مع فتاة.



حاولت أن أهدّئ غروره الرجولّي المجروح، قلت له إن جوزفين – و إن كانت في الثانية عشرة – فتاة ذكية جداً!



- هل تظن ذلك؟ أنا أراها فتاة حمقاء جداً لكنها بارعة حاذقة في أعمال التحري: تدور و تدس أنفها في كل مكان، و تكتب أشياء في دفتر أسودَ صغير و تتظاهر بانها تكتشف الكثير.. طفلة سخيفة ليس غير.. و على كل حال فالفتيات يعجزن عن أعمال التحري. لقد أخبرتُها هذا أظن أن أمي كانت على صواب تماماً، فأفضل شيء أن ترحل إلى سويسرا بسرعة.



- ألن تفتقدها؟



ردّ يوستيس بغطرسة:



- أفتقد طفلة في هذا العمر؟ لا طبعا... يا إلهي! في هذا البيت تكمن النهاية الأبدية: أمي تسافر إلى لندن و تُجبر كتّاب الروايات أن يكتبوا لها مسرحيات. و أبي يُوصد باب المكتب على نفسه و يقبع مع كتبه و أحياناً لا يسمعك إذا حدّثته. لا أدري كيف أحتمل الإرهاق مع والدين غريبين مثلهما؟ و العم روجر... عنيف يجعلك ترتعد، و زوجته كليمنسي لا بأس بها، لا تزعجني لكني أظنها معتوهة قليلاً. و الخالة إيديث ليست سيئة كثيراً لكنها طاعنة في السن تغضب كثيراً.لكن الأمور تحسنت قليلاً منذ عودة صوفيا. ألا ترى أن أهل البيت غريبوا الأطوار؟ فلدينا زوجة جدٍ شابة لتكون عمتنا أو أختنا الكبيرة... أعني أن هذا يجعلك تشعر بالكراهية!



كنت أدرك بعضاً من أحساسيه هذه. كأني تذكرت حالي و أنا في مثل عمره و كيف كنت أخشى أي شيء قد يعرّضني للسخرية أو للشفقة! قلت له:



- و ماذا عن جدك؟ أكنت تحبه كثيراً؟



ظهرت على وجه يوستيس تعبيرات غريبة و هو يقول:



- كان جدي ضد الاشتراكية.



- كيف؟



- لم يكن يفكر إلا في الأرباح. لورانس يقول بأن هذا خطأ كبير. و كان جدي مستبداً لا يحب إلا أن يأمر فيُطاع، ألا تظن ذلك؟



قلت بقسوة:



- على كل حال فقد مات.



- لا أريد أن اكون غليظ القلب، لكنك لا تستمتع بالحياة عند الشيخوخة!



- ألم يستمتع بالحياة؟



- لم يكن يستطيع ذلك. على كل حال فقد مضى وقت على رحيله. إنه...



سكت يوستيس و قد عاد لورانس براون إلى القاعة. و بدأ لورانس يثير جلَبة و هو يتفصح كتبه، لكني أحسست أنه كان يراقبني بطرف عينه. نظر إلى ساعته و قال:



- أرجو أن تحضر في الساعة الحادية عشرة تماماً يا يوستيس. لقد ضيّعنا وقتاً كثيراً في الأيام الأخيرة الماضية!



- حسناً يا أستاذي.



مشى يوستيس نحو الباب متكاسلاً و هو يصقر في حين رمقني لورانس براون بنظرة أخرى حادة و بلل ريقة مرة أو مرتين. كنت مقتنعاً أنه ما رجع إلى قاعة الدرس إلاّ ليتحدث معي.



جمع الكتب ثم بعثرها دون غرض ليتظاهر أنه كان يبحث عن كتاب مفقود، و قال:



- كيف يسير عملهم؟



- عملهم؟



- الشرطة.



ارتعش أنفه، و قلت في نفسي: وقع الفأر في المصيدة. قلت:



- إنهم لا يطلعونني على أسرارهم.



- ها! كنت أظن أن والدك هو مساعد المفوض، أليس كذلك؟



- بلى، لكنه لا يفشي الأسرار الرسيمة.



تعمدت أن أجعل نبرة الغرور في صوتي. قال:



- إذن فأنت لا تعلم كيف... ماذا... إذا..



ثقل لسانه و هو يقول:



- إنهم لن يقوموا باعتقال أحد، أليس كذلك؟



- ربما.



لقد أوصاني المفتش تافيرنر أن أجعلهم في نشاط مستمر. أجعلهم يثرثرون. حسناً، إني جعلت لورانس براون يثرثر.



بدأ يتكلم بسرعة و بعصبية:



- إنت لا تعرف الحال... الانفعال... لا تعرف ماذا هناك... يأتون و يرحون و يسألون الأسئلة. أسئلة سمجة لا علاقة لها بالقضية!



سكت. انتظرته همّ أن يتكلم. حسناً، فلآدعه يتحدث.



- أكنتَ حاضراً حين تحدث رئيس المفتشين ذلك الكلام الفظيع في ذلك اليوم بشأن السيدة ليونايدز و شأني؟ إنها فكرة رهيبة تجعل المرء يشعر بالعجز. كيف تمنع الناس من التفكير في أشياء سخيفة و كاذبة؟ فقط لأنها تصغر زوجها بسنين؟ إن الناس لهم عقول فظيعة! إني اشعر... اكاد لا أملك نفسي... أشعر أن كل هذا مؤامرة!



- مؤامرة؟ هذا مثير!



كان كلامه مثيراً و إن لم يكن على النحو الذي فهمه تماماً.



- إن العائلة، عائلة ليونايدز، لم تكن تعطف عليّ يوماً. كانوا قُساة عليّ دوماً، و قد أحسست أنهم يحتقرونني.



بدأت يداه ترتجفان، و أردف قائلاً:



- لأنهم الأغنياء و الأقوياء كانوا يزدرونني! ماذا كنت بالنسبة لهم؟ مجرد معلم معارضِ حيّ الضمير، و قد كانت معارضتي صحيحة و نابعة من فكر سليم!



لم أقل شيئاً. انفجر قائلاً:



- لا بأس. ماذا لو كنت خائفاً؟ أخاف من فشلي في تبرئة نفسي. أخاف ألا أستطيع أن أسحب الزناد عندما يتوجب عليّ ذلك. كيف تتبين أن الذي تقتله نازي؟ فربما يكون ولداً مهذباً أو ولداً قروياً ليس له ميول سياسية و إنما تمت دعوته للخدمة في جيش بلاده. أظن أن الحرب عمل خاطئ، هل تفهم ما أعنيه؟ أعتقد أنها خطأ.



ما زلت صامتاً. أظن أن صمتي كان يحقق أكثر مما تفعله المنازعات و المجادلات. كان لورانس براون يجادل نفسه، و كان في جداله يكشف كثيراً مما في نفسه. ثم قال بصوت مرتجف:



- كان الجميع يضحكون مني دائماً، يبدو أنني أملك موهبة في جعل نفسي أبدو سخيفاً. ليس الأمر أنني أحتاج إلى شجاعة لكنني أعمل الشيء بطريقة خاطئة دائماً. ذهبت مرة إلى بيت تشتعل فيه النيران كي أنقذ امرأة تحاصرها النار، لكني ضللت الطريق و خنقني الدخان ففقدت وعيي فأبلبى رجال الإطفاء بلاءاً كبيراً حتى أخرجوني، سمعتهم يقولون: ((لِمَ لَمْ يترك هذا الأحمق الأمر لنا؟)) إن محاولتي لم تكن نافعة و كلهم وقفوا ضدي. و أياً كان هذا الذي قتل السيد ليونايدز فلقد أحكمها حتى ألبسنيها. قتله أحدهم كي يحطمني!



- و ماذا عن السيدة بريندا؟



احمر وجهه. لم يعد فأراً بل أصبح رجلاً، و قال:



- السيدة بريندا امرأة عظيمة. رقة قلبها و لطفها مع زوجها الكهل كانا رائعين! إن التفكير بأنها سممت زوجها أمر مثير للضحك. و ذلك المفتش الغبي لا يفهمها!



- ربما كان متحيزاً بسب عد القضايا التي في ملفاته و التي تسمم فيه أزواج كبار بالسن بفعل زوجاتهم الشابات رقيقات القلوب!



قال لورانس غاضباً:



- الغبي الذي لا يطاق!



ذهب ناحية المكتبة عند الزاوية و بدأ ينقب بين الكتب، و أدركت أنني لن أسمع المزيد منه فخرجت من الغرفة ببطء.



و بينما كنت أسير في الممر إذ انفتح باب عن يساري و باغتتْني جوزفين كأنها جنيّ خرج من جوف الأرض!



كان وجهها قذراً و كذلك يداها، و على أذنها خيط عنكبوت.



- أين كنت يا جوزفين؟



نظرتُ من خلال الباب شبه المفتوح. رأيت درجتين تؤديان إلى غرفة مستطيلة مطلمة تشبه العُليّة، و رأيت خزانات كبيرة فيها.



قالت:



- إنها غرفة الصهاريج.



- و لمَ كنت في غرفة الصهاريج؟



قالت جوزفين بنبرة حازمة رسمية:



- أقوم بالتحري.



- و ماذا عساك أن تجدي في غرفة الصهاريج؟



لم تجبْ عن هذا السؤال، و قالت فقط:



- عليّ أن أغتسل.



- أعتقد أن هذا ضروري.



و ذهبتْ إلى أقرب حمام. ثم التفتت و قالت:



- لقد آن الأوان لتظهر الجريمة التالية، أليس كذلك؟



- الجريمة التالية؟



- في الروايات تظهر في مثل هذا الوقت دائماً جريمة ثانية: شخص ما يعرف شيئاً يتم التخلص منه قبل أن يتكمن من كشف ما يعرفه.



- الحياة الواقعية يا جوزفين ليست كالقصص البوليسية، و لو أن أحداً في هذا البيت عرف شيئاً فلن يحبَّ البوح به لأيٍّ كان.



ردت عليّ جوزفين بجواب غامض و ما زال الماء ينصبّ من الصُّنبور:



- أحياناً يعرفون أشياء و هم لا يشعرون.



طرفت عيناي و أنا أجتهد في فهم كلمتها، ثم تركتها و نزلت إلى الطابق الأسفل.



و بينما كنت خارجاً من الباب إلى الدرج إذْ أقبلتْ عليّ بريندا من باب غرفة الاستقبال، و اقتربت مني و وضعت يدها على ذراعي و حدقت إلي و قالت:



- هل من جديد؟



كانت طريقتها مثل طريقة لورانس في التماس الأخبار لكن صياغتها مختلفة، فكانت كلمتها الوحيدة هذه أكثر تأثيراً. هززت رأسي و قلت:



- لا شيء.



تنهدت و قالت:



- أنا خائفة كثيراً يا تشارلز، إني خائفة!



كان خوفها حقيقياً، ظهر لي مرتبطاً مع ذلك المكان الضيق فأردت أن أطنئنها لأساعدها، و أصابني مرة أخرى ذلك الإحسلس الشديد بأنها وحيدة في محيط عدائيّ!



ربما كانت تريد أن تصرخ و تقول : ((من يقف إلى جانبي؟))، و ماذا عسى أن تكون الإجابة؟... لورانس براون؟ و من يكون لورانس براون؟ ما هو إلا أحد الضعفاء!



تذكرتهما و هما يجريان و يدخلان البيت من الحديقة ليلة أمس.



أردت مساعدتها لكني لم أستطع أن أفعل أو أقول لها شيئاً، فكنت – في قرارة نفسي – ينتابني شعور بالذنب غير خالص رغم أن عيني صوفيا كانت تراقبانني باستهزاء. تذكرت صوفيا تقول: ((إذن فقد أوقعت بك)).



و لم تكن صوفيا تفهم أو تريد ان تفهم حال بريندا في هذه المسألة: وحيدة، مشبوهة بالجريمة، و لا أحد ينصرها. قالت بريندا:



- التحقيق سيجري غداً. ترى... ماذا سيحدث؟



هنا كنت أستطيع أن أطمئنها:



- لا شيء، لا تقلقي. سيتم تأجيله حتى يقوم الشرطة بمزيد من التحري، و لعلهم يطلقون للصحافة حريتها؛ لأن الصحف لم تذكر حتى الآن أنها وفاة غير طبيعية. إن لعائلة ليونايدز نفوذاً كبيراً. و لكن مع تأجيل التحقيق سوف يبدأ المزاح..



( ما أعجب أقوال المرء أحياناً! المزاح؟ لماذا قلتُ هذه الكلمة دون غيرها؟)



- هل... هل سيكونون مفزعين كثيراً؟



- لو كنت مكانك لما قبلت بأية مقابلة صحفية. بريندا لـمَ لا تعيّنين لك محامياً؟



تراجعتْ للوراء فَزِعةً و قد شهِقت شهيقاً قوياً. قلت لها:



- لا، لا. ليس كما تفهمين، لا أقصد... لكنْ محاميلً يعتني بمصالحك و ينصحك و يعلّمك ما تقولين و ما تفعلين مما لا تقولين و لا تفعلين... إنك وحيدة!



شدّت ذراعي و قالت: نعم، انت على صواب. لقد ساعدتني يا تشارلز. لقد ساعدتني...



نزلتُ الدرج و أنا اشعر بالحماس و الرضى. و رأيت صوفيا جانب الباب الأمامي، فقالت بصوت فاتر و جاف:



- أطلت البقاء... لقد سالوا عنك بالهاتف؛ والدك يريدك.



- من سكوتلانديارد؟



- أجل.



- ماذا يريدون مني؟ ألم يقولوا شيئاً؟



هزت صوفيا رأسها نافية. و رأيت في عينيها القلق فقلت لها:



- لا تقلقي يا حبيبتي، سأعود في الحال.

*****









- 17 -

ساد في غرف والدي شيء من التوتر. جلس الرجل العجوز وراء كاولته، و استند رئيس المفتشين بظهره إلى الشباك، و جلس السيد جيستكيل على كرسيّ الزوار و أنشأ يقول محتدّاً:



- ... ثقة بالغة لا لزوم لها!



تكلم والدي بهدوء:



- أجل أجل.. ها، مرحبا يا تشارلز، لقد قضيت وقتاً طويلاً و ظهر تغيّر مفاجيء.



قال السيد جيتسكيل: تغير لم يُسبق بمثيل!



كطان واضحاً أن شيئاً ما أزعج المحامي الصغير فابتسم رئيس المفتشين تافيرنر لي ورائه، و قال أبي:



- هل لي أن أختصر؟ جاءت السيد جيتسكيل رسالة مذهلة صَباح اليوم يا تشارلز، و هي من السيد أجرو دو بلاوس صاحب مطعم ديفلوس. إنه رجل طاعن في السن، ولد في اليونان، و لما أصبح شاباً أعانه ليونايدز و صار صاحِبَه. كان كثير الشكر لصديقه الذي أحسن إليه، و يبدو أن أريستايد كان يعتمد عليه اعتماداً عظيماً و يثق به كثيراً.



قال السيد جيستكيل: لم أصدق أبداً أن ليونايدز بمثل هذا الارتياب و يخفي أسراراً، لقد كان بالطبع شيخاً كبيراً و ربما كان خرفاً.



قال أبي بلطف:



- عندما تصبح شيخاً يا جيستكيل فإن عقلك يسهب كثيراً في ذكريات الشباب.



- لكن شؤون ليونايدز كانت كلها بين يدي لأكثر من أربعين سنة، و أجل الدقة ثلاثة و أربعين عاماً و نصف!



ابتسم تافيرنر ثانية، و سالتُ جيستكيل:



- ما الذي حدث؟



همّ السيد جيستكيل بالكلام لكنّ أبي سبقه:



- لقد أوضح السيد أجرو دو بو لاوس في رسالته أنه كان ينفذّ تعليمات محدّدة لصديقه أريستايد ليونايدز. و باختصار فقد وضع السيد ليونايدز في عهدته ظرفاً مختوماً قبل حوالي سنة، و كان مطلوباً من السيد أجرو دوبو لاوس أن يعطيه إلى السيد جيتسيكيل حال موت السيد ليونايدز. و قد اعتذر السيد أجرو دوبو لاوس إذ تأخر لكنه بيّن أنه كان مريضاً بذات الرئة و أن نبأ موت صديقه القديم لم يبلغه إلاّ ظهر البارحة.



قال جيتسيكيل: العمل هذا كله ينافي أخلاق المهنة.



و أكمل أبي قائلاً:



- و لما فتح السيد جيتسكيل الظرف المختوم و اطلع على مافيه رأى أن من واجبه...



و هنا قاطعه جيتسكيل مضيفاً:



- بناءً على الظروف...



أن يطلعنا على ما فيه، فوجدنا وضية موقّعة حسب الأصول و مصدّقة، و وجدنا رسالة تشرح وثيقة مرفقة.



قلت: إذن فقد ظهرت الوصية أخيراً.



تورد وجه السيد جيتسكيل قليلاً و قال:



- إنها ليست الوصية نفسها. هذه ليست هي الوثيقة التي أعددتها حسب طلب السيد ليونايدز. هذه الوصية مكتوبة بخط يده و هو أخطر ما يفعله الموصي. يبدو أن السيد ليونايدز كان ينوي أن يجعلني أبدو رجلاً أحمق!



حاول رئيس المفتشين تافيرنر أن ينعش هذا الجو الحزين، فقال:



- لقد كان رجلاً كهلاً يا سيد جيتسكيل، و الناس إذا شاخوا صاروا طائشين بعض الشيء. لا أقصد أنهم يصبحون مجانين لكنهم غريبو اطوار قليلاً.



عطس السيد جيتسكيل و قال أبي:



- اتصل بنا السيد جيتسكيل و أخبرنا بنود الوصية الأساسية فطلبت منه أن يأتي إلينا فوراً و يحضر الوثيقتين معه. ثم اتصلت بك يا تشارلز.



لم أفهم تماماً لـمَ اتصل والدي بي، و بدا لي هذا تصرفاً غير قويم من والدي و تافيرنر. كنت سأعرف بخبر الوصية في الوقت المناسب، و لم يكن من شاني قطّ أن أعلم كيف قسم العجوز ليونايدز أمواله. سألت جيتسكيل:



- هل هي وصية مختلفة؟ أعني: هل وزع فيها الأموال بشكل مختلف؟



- نعم.



كان ابي ينظر إلي، و لكن حرص رئيس المفتشين تافيرنر ألا ينظر إليّ. أصابني الخوف. كأن شيئاً يدور في ذهنهما، شيئاً أجهله. و نظرت إلى جيتسكيل متسائلاً:



- إنه ليس من شأني، و لكن...



- إن قسمة السيد ليونايدز ثروتَه حسب الوصية ليست بالطبع سراً يُخفى، كنت أدرك أن من واجبي أن أبيّنها للشرطة أولاً حتى يرشدوني إلى الخطوة التالية، و أنا أعرف ... – سكت برهة – ... أن بينك و بين الآنسة صوفيا شيئاً.



- آمل أن أتزوج بيها لكنها لم تقبل خطبتي في الوقت الحاضر.



- أجل، هذا صحيح تماماً.



خالفتُه و لم يكن هذا وقت الجدال. قال:



- حسب هذه الوصية المؤرخة في التاسع و العشرين من تشرين الثاني في العام الماضي فقد ترك السيد ليونايدز – بعد أن جعل لزوجته مئة ألف جنيه – أملاكه كلها و أمواله جميعاً لحفيدته صوفيا كاثرين ليونايدز.



فغرت فمي. قلت و لم أتوقع هذا:



- ترك أمواله كلها لصوفيا!.. ياله من عمل غريب. هل هناك من سبب؟



قال والدي:



- لقد أوضح أسبابه في الرسالة المرفقة – و أخرج ورقة من الدرج أمامه – هل تمانع أن يقرأها تشارلز يا سيد جيتسكيل؟



قال جيتسكيل بفتور:



- إني بين يديك. الرسالة توضحها، و ربما يكون هذا سباً لعمل السيد ليونايدز الغريب!



سلمني الرجل العجوز الرسالة. كانت مكتوبة بخط يدٍ دقيق بالحبر الأسود، و كان خط الرسالة يُظهر شخصية الفقيد و تميّزه. لم تكن مثل سائر الرسائل الأخرى المكتوبة بعناية، و فيها ملامح من الماضي حين تعلّم القراءة و الكتابة صعباً و ذا قيمة عالية. و هذا نص الرسالة:



((عزيزي السيد جيتسكيل،

ربما يصيبك الذهول إذا قرأت هذه الرسالة و ربما تغضب، لكنّ لدي أسباباً خاصة جعلتني أتصرف بطريقة قد تبدو لك سرية من غير لزوم.

إنني مؤمن بالفردية منذ وقت طويل.

قد لاحظت في صباي – و لم أنس ذلك أبداً – أن العائلة تركن إلى شخص واحد قوي يتحمل عبء العناية بالعائلة و رعاية سائر أفرادها.

و لقد كنت أنا في عائلتي هذا الشخص. جئت إلى لندن و أعددت نفسي و أعلت والدتي و أجدادي في سميرنا، و خلصت أحد إخوتي من قبضة القانون و ضمنت حرية أختي من زواج غير سعيد. و هكذا...

لقد رضي الله عني إذ منحني حياة طويلة أستطعت فيها رعاية أطفالي و العناية بهم و أطفالهم، و قد أخذ الله بعضهم مني بالموت لكني سعيد بأن البقية يعيشون تحت سقف بيتي.

و عندما أموت لابد أن ينتقل العبء الذي كنت أقوم به إلى شخص آخر.

و قد فكرت: هل أقسم ثروتي بين أبنائي الأعزاء بالتساوي قدر استطاعتي؟

فإن فعلت فأخشى ألا يكون في قسمتي مساواة حقاً.

إن الناس لا يتساوون، و لابد من خلفٍ لي يحمل ثقل شؤون بقية أفراد العائلة.

نظرتُ بتمعن فلم أجد احداً من ولدّي صالحاً كي يتولى هذه المهمة. فابني العزيز روجر لا يدرك قيمة العمل، و هو رجل ذو سمْتٍ محبوب لكنه متهور جداً و لا يستطيع أن يحكم على الأمور حكماً صحيحاً.

و أما فيليب فهو غير واثق من نفسه ليفعل شيئاً سوى الفرار من الحياة. و حفيدي يوستيس صغير جداً و أخشى أنه غير مدرك و لا حصيف كما يلزم، و هو كسول و يتأثر بأفكار أي امرئ يلقاه.



وحدها حفيدتي صوفيا التي يجتمع فيها كل الصفات المطلوبة... فتاة ذكية حكيمة جريئة و عادلة، و عقلها سديد و نفسها سمْحة، فإليها أعهد بالمحافظة على سعادة العائلة و سعادة إيديث دي هافيلاند أخت زوجتي اللطيفة و التي أنا ممتن لها على تكريسها حياتها الطويلة للعائلة.

من أجل هذا كتبت الوثيقة المرفقة. أما الذي سيكون صعباً شرحه لك يا صديقي القديم، فهو الخداع الذي مارسته عليك.

لقد ظننت أن من غير الحكمة إثارة قلاقل في شأن قسمة ثروتي، و ليس لدي نية أن أجعل عائلتي تعرف أن صوفيا ستكون هي وريثتي.

و حيث أن روجر و فيليب قد أخذا ثروة كبيرة من قبل قسمتها لهما فإنني لا أشعر أن قسمة ثروتي حسب الوصية سوف يضعهم في موقف مذل.

و لكيْلا تنشأ ظنون طلبت منك أن تصوغ لي وصية قرأتُها لأفراد العائلة مجتمعين، ثم وضعتها على مكتبي و وضعت عليها قطعة ورقٍ نشّاف، و دعوْتُ خادمين، فلما حضرا زلقت النشافة إلى أعلى قلئلاً و كشقت أسفل الوثيقة و وقّعت أنا و أمرتهما أن يوقّعاها.

إن الذي وقّعته أنا و الخادمان هو الوصية التي أرفقتها الآن و ليست التي كتبت مسوّدتها و قرأتها على الجميع بصوت مرتفع. لا يمكنني أن أكون واثقاً أنك ستفهم ما الذي دفعني لتنفيذ هذه الحيلة؟ أرجوك أن تغفر لي أنني أخفيت الأمر عنك، فالشيخ الكبير يحب الاحتفاظ بأسراره الصغيرة!

شكراً لك أيها الصديق القديم على اهتمامك الدائم بشؤوني الخاصة! بلّغ صوفيا حبي الغالي لها و أوْصِها أن ترعى العائلة جيداً و أن تجنبهم الأذى.

المخلص

أريستايد ليونايدز))



قرأت هذه الوصية الخطيرة باهتمام شديد، و قلت:



- أمر غريب!



قال جيتسكيل و هو ينهض من مقعده:



- غريب جداً! كنت أظن أن صديقي القديم – كما قلت آنفاً – كان يثق بي.



قال والدي: لا يا جيتسكيل، لقد كان رجلاً غير أمين، و كان يحب فعل الشيء بأسلوب ملتوٍ إن صحَّ التعبير.



قال رئيس المفتشين تافيرنر بانفعال:



- هذا صحيح يا سيدي. كان مخادعاً أكثر من غيره.



خرج جيتسكيل من الغرفة غاضباً، فقد جُرحت كبرياؤه المهنية جرحا بالغاً. و قال تافيرنر معّلقاً:



- لقد آذته هذه الوثيقة أذى قاسياً، فشركة جيتسكيل ((كالوم و جيتسكيل)) ذات صيت حسن، و عندما كان العجوز ليونايدز ينجز صفقة تثير الشك لم يكن بعلم بها جيتسكيل، فقد كان العجوز يعامل ست شركات محاماة تعمل نيابة عنه... لقد كان مخادعاً!



قال والدي: و كان أشد خداعه حين كتب وصيته.



- لقد كنا حمقى! لا أحد يستطيع لعب الحيلة في تلك الوصية غير العجوز نفسه. إنم نسينا أنه ربما كان يريد ذلك.



تذكرت ابتسامة جوزفين عندما قالت متافاخرة: ((أليس الشرطة أغبياء؟)).



لكن جوزفين لم تحضر اجتماع الوصية. لو أنها كانت في ذلك اليوم تتنصت بالباب – و لا ريب في هذا – فما كان يسعها أن تخمن ماذا يفعل جدها. إذن فعلام كان تفاخُرها؟ ما الذي تعرفه لتزعم أن الشرطة حمقى أم أن هذا أيضاً كان تباهياً؟



رفعت بصري بحدة و أنا مذهول من سكون الغرفة و سكوتها. كان والدي و تافيرنر يراقبانني. لم أدرِ ماذا لمحت في جهيهما فقلت بجرأة:



- صوفيا لم يتكن تعلم شيئاً عن هذه الوصية. لا شيء على الإطلاق.



والدي: لا تعلم؟



لم اتبيّن كلمته أكانت سؤالاً أم موافقة؟ قلت:



- كانت ستصع دون شك!



- حقاً؟



- نعم، ستصعق!



حلّ الصمت قليلاً. رن الهاتف فوق مكتب أبي رنة شديدة فجأة، فرفع أبي السماعة:



- آلو... – أنصت قليلاً – ... صلني بها – و التفت إليّ – ... إنها فتاتك تريد محادثتنا في أمر عاجل.



أخذت السماعة منه:



- صوفيا؟



- تشارلز. أهذا أنت؟ إنها... جوزفين! انقطع صوتها قليلاً.



- ماذا أصاب جوزفين؟



- لقد ضُربت على رأسها. ارتجاج في الدماغ. إنها... إنها في حالة سيئة جداً. يقولون أنها قد لا تتعافى!



التفتُّ إلى الرجلين الآخرين و قلت:



- لقد ضُربت جوزفين.



أخذ أبي السماعة مني و هو يخاطبني بحدّة:



- ألم أوصِك أن تراقب تلك الطفلة؟



*****









- 18 -

لم يمض وقت طويل حتى كنت و تافيرنر نسرع في سيارة الشرطة تجاه سوينلي دين.



و خطر ببالي خروج جوزفين من بين الصهاريج و ملاحظتها المغرور حين أنذرت باقتراب الوقت لظهور جريمة قتل ثانية. لم تكن الطفلة المسكينة تعلم أنه هي نفسها ستكون الضحية في الجريمة التالية. لقد أصاب والدي حين لامني لوماً ضمنياً. كان يجب علي مراقبة جوزفين، فلا أنا و تافيرنر استطاع أن يأتي بدليل على من سمم العجوز ليونايدز، فلعل هذا الدليل كان لدى جوزفين، فالذي كنت أرى أنه هراء أطفال و ((تباهٍ)) كان شيئاً مختلفاً تماماً، فربما حصلتْ على خيط من المعلومات لم تعلم هي نفسها قدرها و خطرها.



وخطر بالي الغصن الذي نقصف في الحديقة.



حينئذ أصابني إحساس بأن الخطر كان وشيكاً، و كنت أظن أني قد بالغت في الشك. كان ينبغي أن أدرك أن هذه جريمة قتل، و أياً كان الذي ارتكب الجريمة فقد عرض نفسه للخطر و لن يتردد في تكرار جريمته إن تأكد أنها ضمان لسلامته.



ربما عرفت ماجدا ماجدا بغريزة الأمومة الخفية أن جوزفين في خطر، و لعل هذا ما جعلها متحمسة فجأة و متعجلة في سفر الطفلة إلى سويسرا.



و خرجت صوفيا لنا حين وصلنا و قالت بأن جوزفين حُملتْ في سيارة الإسعاف إلى مستشفى ماركت باسنغ العام و غن طبيبها، غري، سوف يبلغهم ساعة ظهور نتيجة الأشعة. سألها تافيرنر:



- كيف وقع الحادث؟



تقدمتنا صوفيا في الطريق خلف البيت، و دخلنا من باب في ساحة صغيرة مهجورة، و في إحدى الزوايا رأينا باباً مفتوحاً جزئياً، و أوضحت صوفيا:



- إنه بيت للغسيل، في أسفل الباب فتحة أحدثهتها قطة، و قد اعتادت جوزفين أن تقف عليها و تتأرجح.



تذكرت التأرجح على الأبواب و نحن صغار!



كانت غرفة الغسيل صغيرة مظلمة، و رأيت فيها صناديق خشبية و خراطيم عتيقة و بعض أدوات الحديقة المهملة و أثاثاً مكسوراً، و كان خلف الباب مِصدّ رخامي على هيئة تمثال أسد.



أوضحت صوفيا:



- إنه مصدّ الباب. لابد أنه كان موضوعاً فوق أعلى الباب.



رفع تافيرنر يده إلى قمة الباب. كان باباً منخفضاً و قمته تعلو رأسه قدماً واحداً.



- إنه شرَك.



هز الباب يميناً و يساراً يجرّبه و انحني إلى التمثال الرخامي من غير أن يلمسه.



- هل لمسه أحد؟



صوفيا: لا. لم أسمح أن يلمسه أحد.



- عمل صحيح. مَنْ وجدها؟



- أنا. لم تأتِ لتأكل غداءها في الساعة الواحدة. كانت ناني تنادسها و كانت قد عبرت المطبخ و خرجت منه إلى ساحة الإسطبل قبل ربع ساعة. ناني قالت إنها كانت تلعب بكرتها أو تتأرجح في الباب ثانية، و قلت إنني سأذهب لأحضرها!



سكتت صوفيا.



- هل قلت بأنها تعودت أن تلعب هكذا؟ من كان يعلم ذلك؟



هزت صوفيا كتفيها استهجاناً:



- أظن أن جميع أهل البيت يعلمونه جيداً.



- و من يدخل غرفة الغسيل غيرها؟ عمال الحديقة؟



- كلا، لا يذهب إليها أحد.



- أليست هذه الساحة الصغيرة مكشوفة من البيت؟ ألا يستطيع امرؤ أن يتسلل خرج البيت أو يدور من أمام البيت و يزرع ذلك الكمين؟ - و سكت و هو ينظر إلى الباب و حرّكه يمنة و يسرة – ... لا شيء في شأنه مؤكد. إما أن تقع عليها الضربة أو تفلت منها، و الغالب أن تفلت منها لكنها لم تكن محظوظة فضُربت!



ارتجفت صوفيا.



نظر إلى البلاط و كان عليه آثار ضربات متعددة. قال:



- كأن أحداً قام بتجربته أولاً لكي يرى كيف تقع على الأرض و يتأكد من أن الصوت لن يسمعه أهل البيت.



- لم نسمع شيئاً و لا عرفْنا شيئاً حتى خرجت و وجدتها ملقاة على وجهها، و جسمها متمدد في الخارج.



و انقطع صوت صوفيا قليلاً ثم أضافت:



- والدم على شعرها!



أشار تافيرنر إلى وشاح صوفي على الأرض:



- هل هذا وشاحها؟



- نعم.



التقط قطعة الرخام بحذر باستخدام الوشاح و قال غير آمل:



- ربما يكون عليها بصمات، لكني أظن أن الذي فعلها كان حذراً – و التفت إلي – إلامَ تنظر يا تشارلز؟



كنت أنظر إلى كرسي مطبخ خشبي ظهره مكسور كان ملقى بين الأشياء المهملة و عليه آثار تراب. قال تافيرنر:



- عجباً! رجل وقف على ذلك الكرسي و قدماه موحلتان. لماذا؟ – هز رأسه – متى وجدتِها يا آنسة ليونايدز؟



- في الساعة الواحدة و خمس دقائق.



- وشاهدتْها خادمتكم ناني تخرج قبلها بعشرين دقيقة، من كان آخر شخص دخل بيت الغسيل قبلها؟



- لا اعرف، ربما جوزفين نفسها. جوزفين كانت تتأرجح على الباب هذا الصباح بعد الفطور، هذا ما أعرفه.



أومأ تافيرنر برأسه:



- إذن بين ذلك الوقت و الواحدة إلا ربعاً وضع شخص الشرك. قلتِ بأن هذه كانت سنادة الباب الأمامي فهل تعرفين متى فُقدتْ؟



هزت صوفيا رأسها:



- لم ينفتح الباب طوال اليوم فقد كان الجو بارداً.



- هل تعرفين أين كان كلّ واحد طيلة الصباح؟



- أنا خرجت أسير. يوستيس و جوزفين كانا في الدرس حتى الثانية عشرة و النصف ما عدا فترة راحة في العاشرة و النصف، و اظن أن أبي مكث في المكتبة طوال الصباح.



- و أمك؟



- كانت خارجة لتوها من غرفة نومها حين دخلتُ البيت في الثانية عشرة و الربع تقريباً، فهي لا تصحو مبكراً.



دخلنا البيت مرة ثانية و تبعت صوفيا إلى المكتبة. كان فيليب يجلس على كرسيه شاحباً منهكاً، و كانت ماجدا جاثية على ركبتيه تبكي، و سالتهما صوفيا:



- ألم يأتِ من المستشفى خبرٌ بعدُ؟



هز فيليب رأسه نافياً، و قالت ماجدا و هي تنشج:



- لماذا منعوني أن أخرج معهم؟... طفلتي! طفلتي العجيبة القبيحة. كم مرة قلت لها: ((لست ابنتي)) و كانت تغضب كثيراً! كم كنت قاسية عليها! و الآن، سوف تموت! أخشى أن تموت!



فيليب: اهدئي!



شعرت أنْ لا مكان لي في هذا المشهد الأبوي القلق الحزين فانسللت بهدوء و جعلتُ أبحث عن ناني. كانت في المطبخ تبكي هي الأخرى، و قالت:



- إنما هي عقوبة إلهية، عقوبة إلهية بسبب الأشياء القاسية التي كنت أفكر فيها يا سيد تشارلز، هذا هو الأمر!



لم أحاول أن أفهم قصدها.



- ثمّة شرٌّ في هذا البيت. لم أكن أريد أن أفهم ذلك و لا أصدقه: شخص ما قتل سيد البيت و حاول أن يقتل جوزفين!



- لماذا؟



مسحت ناني عينيها بمنديلها و نظرت إلي نظرة لاذعة:



- أنت تعرف جيداً كيف كانت يا سيد تشارلز. كانت تحب كشف ألشياء حتى الحقيرة جداً. تعودت أن تختبئ تحت طاولة العشاء و تتنصت إلى حديث الخادمات ثم تقلبها عليهن كي تحسّ أنها مهمة. لقد أهملتها أمها. لم تكن طفلة أنيقة حلوة مثل أخويها. و اعتادت أمها أن تقول بأنها ليست ابنتها. إنني أعتب على السيدة بسب ذلك إذ كان هذا يثير حفيظتها، لكنها كانت ترجع إلى عادتها في تتبع الناس ثم تخبرهم أنها كانت تعلم أشياء عنهم، و هذا أمر خطير عندما يكون في المكان مجرم طليق!



لم يكن هذا البيت آمناً. كلاّ و تذكرت شيئاً فسألت ناني:



- هل تعرفين أن مخبأ دفترها الأسود الصغير الذي تدوّن فيه ملاحظاتها؟



- أعرف ما تعنيه يا سيد تشارلز. كانت جوزفين كتومة. لقد رأيتها تلحس قلمها الرصاص و تكتب في الدفتر ثم تلحس القلم مرة أخرى، و قد نهيتُها أن تفعل ذلك و إلا يُصبْها الرصاص فقالت بأنها لن تتسمم؛ لأن قلم الرصاص ليس فيه رصاص حقاً بل كربون. و لم أفهم؛ لأنك حين تسمي شيئاً ((قلم رصاص)) قلابد أن يكون فيه رصاص!



- أجل، لكن جوزفين كانت على حق. و ماذا عن دفتر الملاحظات هذا؟ أتعرفين أين كانت تحفظه؟



- لم أكن أعلم يا سيدي. كان شيئاً من الأشياء التي تكتمها.



- ألم يكن معها عندما عُثر عليها؟



- لا. لم يكن معها دفتر ملاحظات.



تساءلت: هل خطف أحدٌ دفتر الملاحظات أم أنها أخفته في غرفتها؟



و خطر ببالي تفتيش غرفتها. لم أكن متأكداً من مكان غرفتها و لكني بينما كنت أقف متردداً في الممر إذ ناداني صوت تافيرنر:



- تعال هنا، في غرفة الطفلة، أرأيت مشهداً كهذا في حياتك؟



خطوت فوق عتبة الباب و وقفت جامداً!



كانت الغرفة الصغيرة تبدو و كأن إعصاراً دهمها: أدراج الخزانة مفتوحة مبعثر ما فيها على الأرض، الفرشة و الملاءة قد سُحبا عن السرير الصغير، و الأغطية مكومة و الكراسيّ مقلوبة و الرسوم أنزلت عن الحائط و الصور انحلعت من أطُرها!



يا إلهي! لـمَ هذا؟



- ما رأيك؟



- شخص ما كان يبحث عن شيء.



- تماماً.



نظرت من حولي و صفَرتُ:



- فمن يكون هذا؟ لا أحد يستطيع أن يدخل هنا و يفعل كل هذا و لا يسمعه أحد أو يراه؟



- لـمَ لا؟ السيدة بريندا تقضي الصباح في غرفة نومها تقلّم أظافرها و تكلّم أصدقاءها بالهاتف و تعبث بثيابها، و فيليب يجلس في المكتبة منكبّاً على كتبه، و ناني في المطبخ تقشّر البطاطا و تقمع اللوبيا، إذن فالأمر سهل جداً لعائلة يعرف بعضها عادات بعض. و أريد أن تعلم شيئاً: يستطيع أي أحد من البيت أن يفعل عملنا الصغير.. يستطيع أن يضع الشرك و يخرب غرفتها، لكنه كان شخصاً مستعجلاً يغتنم الوقت فلا يبحث بهدوء.

لقد نظرت في الأمر يا تشارلز. لا يستطيع أن يعيّن أحد في البيت ساعة وجوده. فيليب و ماجدا و ناني و فتاتك في طابق واحد، و بريندا تقضي معظم صباحها وحدها، و لورانس و يوستيس في استراحة من العاشرة و النصف إلى الحادية عشرة، و قد كنت أنت معهما في بعض الوقت لا كله. كانت الآنسة دي هافيلاند في الحديقة وحدها، و كان روجر في مكتبه.



- كليمنسي هي وحدها التي كانت في وظيفتها في لندن.



- كلا، بل كانت خارج وظيفتها. بقيت في البيت اليوم، و كانت في غرفتها وحدها تعاني صداعاً في الرأس. أيُّهم؟ لا أدري! يا ليتني أعرف عمّ يبحثون هنا... – و درات عيناه في الغرفة الفوضى – هل تراهم وجدوه؟..



خطر ببالي شيء... فكرة حسمها تافيرنر بسؤاله:



- ماذا كانت الطفلة تفعل حين رأيتها آخر مرة؟



قلت: انتظرْ.



و انطلقت من الغرفة مرتقياً الدرج، و دخلت من الباب الأيسر و صعدت إلى الطابق العلوي. فتحت باب غرفة الصهاريج و صعدت الدرجتين و حنيت رأسي لأن السقف واطئ و مائل. نظرت حولي.



لقد قالت جوزفين حين سألتها عما كانت تفعله هناك إنها كانت تتحرى.



لم أدرِ ماذا عسى أن يكون في حجرة مليئة بيوت العناكي و خزانات الماء كي تتحراه جوزفين؟ لكن مثل هذه العلية ربما تكون مخبأً أميناً للأشياء، و ربما كانت جوزفين تخبئ هناك شيئاً، شيئاً تعلم جيداً أنه ليس من شانها الحتفاظ به. إن كان الأمر كذلك فلن يطول بحثي عنه.



لم ألبثْ إلا ثلاث دقائق حتى وجدت حزمة رسائل ملفوفةً بقطعة ورق بني ممزق و مدسوسة خلف أكبر خزان. و قرأت الرسالة الأولى:



((أوه يا لورانس... حبيبي! حبيبي العزيز، ما أروعك حين اقتبست بيت الشعر ذاك في الليلة الماضية! كنت فيه تقصدني أنا و إن لم تنظر إلي. أريستايد قال إنك تقرأ الشعر جيداً. هو لم يستطع أن يدرك ما كنا نشعر به كلانا.

أشعر يا حبيبي أن كل شيء سيكون على ما يُرامُ حقاً و سوف نكطون سعيدَيْن جداً بأنه ما كان يعلم أبداً و هو سيموت سعيداً. كم كان طيباً معي! لا أريد أن يعاني، فالعيش بعد الثمانين ليس فيه من متعة. لا أريد ذلك.

قريباً سنكون معاً إلى الأبد.

كم يكون رائعاً أن أقول لك: ((يا زوجي العزيز!)).

لقد خُلقنا يا عزيزي لبعضنا. أحبك. أحبك. أحبك حباً لا نهاية له! إنني...))



و كان في الرسالة مزيد لكنّ نفسي عافت قراءته.



نزلت إلى الطابق السفلي متجهّماً و وضعت الحزمة بين يدي تافيرنر و قلت:



- ربما يكون هذا ما كان يبحث عنه صديقنا المجهول.



قرأ تافيرنر بعض الفقرات ثم صفر و أدخل الرسائل ببعض و نظر إليّ نظرة قطة طعمت أزكى قشدة، و قال بهدوء:



- حسناً، هذا يفضح سرّ بريندا ليونايدز و السيد لورانس براون. إذن فقد كانا هما من البداية...



*****









- 19-

كان يبدو غريباً لي – و أنا أرجع إلى الوراء – كيف تلاشت شفقتي على بريندا و زال عطفي عليها فجأة بسب رسائلها؛ الرسائل التي كتبتها إلى لورانس براون.



هل جعلني غروري عاجزاً عن احتمال مفاجأة أن بريندا كانت متيمة به و مفتونة، و أنها تعمدت الكذب علي، و أنني قد خُدعت بسهولة؟



لا أدري... فأنا لست طبيباً نفسانياً!



غير أنني أفضّل أن أفكر أن الضربة التي أصابت جوزفين على رأسها بطريقة لا ترحم هي ما جفّف ينابيع عطفي على بريندا. قال تافيرنر:



- بروان هو الذي وضع الشرَك، و هذا يوضح ما كان يحيرني.



- ما الذي حيرك؟



- كان ذلك عملاً أحمق! لو أن الطفلة أمسكت بهذه الرسائل – رسائل لعينة بلا سك! – فأول شيء يجب عمله هو محاولة استعادتها، و كيف تستطيع استعادتها و أنت لا تعلم مكانها؟ لو كانت الطفلة تتحدث في شأن هذه الرسائل حديثاً من غير أن تظهر شيئاً لكان حديثها مثيراً أيضاً. إذن فليس أمامك إلا قتل الطفلة. قد اقترفت الجريمة الأولى فلا عليك إنْ أنت ارتكبت جريمة أخرى. أنت تعلم أنها كانت تهوى التأرجح على الباب في الساحة المهجورة. إن أحسن شيء تفعله هو أن تنتظر وراء الباب، فإذا دخلت صرعتها بقضيب معدني أو قطعة جميلة من أنبوب، فكلها هناك في متناول اليد، لماذا تضيع الوقت و تضع قطعة من الرخام فوق الباب و ربما لا تصيبها و لو أصابتها فربما لا تنجز الغرض المطلوب كما تريد تماماً (وهو ما حدث فعلاً بعد ذلك)؟ إني أسألك: لماذا؟



- حسناً، ماهي الإجابة؟



- الفكرة التي وصلت إليها أن أحدهم أراد أن يحصل على دليلٍ يثبت أنه لم يكن في مكان الجريمة لحظة وقوعها. لكننا لا نخدع بهذا. أولاً: لا أحد لديه هذا الدليل، ثانياً: هناك شخص عقد العزم أن يبحث عن الطفلة في ساعة الغداء ثم يذهب و يجد الكمين و قطعة الرخام حيث تكون طريقة العمل واضحة المشاهد تماماً. و لو أن القاتل أبعد قطعة الرخام قبل أن نجد الطفلة لكنا قد تحيرنا، و لكن لا معنى لذلك.



و رفع يديه في الهواء بيأس، فسألته:



- فما هو تفسيرك إذن؟



- العنصر الشخصي. الخاصية الشخصية. خاصية لورانس براون، إنه لا يحب العنف و لا يستطيع إكراه نفسه أن تفعل العنف الجسدي. إنه لا يستطيع أن يقف وراء الباب و يشجّ رأس طفلة، إذن يجهز الكمين و يذهب و لا يرى شيئاً!



قلت: فهمت. إنه الإيسيرين في زجاجة الأنسولين مرة أخرى.



- تماماً.



- أتظن أنه يفعلها دون علم بريندا؟



- ذلك يبين لـمَ لـمْ ترمِ بريندا زجاجة الأنسولين بعيداً. أجل، لقد أعدّا هذا العمل معاً، و ربما فكرتْ هي في حيلة السم وحدها... موت سهل جميل لزوجها العجوز المتعب و هو خير عمل تفعله! لكني متأكد أنها لم تضع الشرك فوق الباب، فالنساء لا يؤمنّ أبداً أن الأشياء الميكانيكية تنجح. أعتقد أن الإيسيرين كان فكرتها لكنها جعلت عشيقها المتيم بها يقوم بالعمل، إنها من الصنف الذي يتجنب أن يفعل شيئاً يثير الشبهة، ثم يظهر أن الضمير حي!



سكت تافيرنر قليلاً:



- لعل النائب العام، مع هذه الرسائل، يقنع أن لدينا قضية. سوف يشطّون قليلاً في تفسيراتهم، ثم أذا تحسنت حال الطفلة فسيبدو كل شيء جميلاً! – نظر إلي بطرف عينه و أضاف – ... ما هو شعور المرء عندما يحصل على مليون جنيه إسترليني؟



جفلتُ. نسيت الأحداث المتعلقة بالوصية بسبب أحداث الساعات القليلة الماضية و قلت:



- إن صوفيا لا تعلم حتى الآن. هل أُخبرها؟



- لقد فهمت أن جستيكيل سيعلن الخبر الحزين (أو السعيد) بعد التحقيق!



سكت تافيرنر قليلاً و نظر إلي متأملاً:



- ترى ما هي ردود أفعال العائلة وقتئذٍ؟





*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق